الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
419
انوار الأصول
بأن كان جريان الاستصحاب تابعاً لبقاء الموضوع المأخوذ في لسانه ، أو المرجع هو الدليل الثاني الدالّ على الإبقاء في ظرف الشكّ أي قوله « لا تنقض اليقين بالشكّ » حتّى يكون جريان الاستصحاب تابعاً لصدق النقض والمضيّ في نظر العرف أو نظر العقل ؟ نعم الترديد بين الثلاث إنّما هو في الشبهات الحكميّة ، وأمّا في الشبهات الموضوعيّة فالترديد ثنائي بين العقل والعرف لأنّ الموضوع الجزئي لا يؤخذ من لسان الدليل « 1 » . وقد ظهر ممّا ذكرنا ثمرة هذه المسألة حيث عرفنا أنّه إذا كان المعيار نظر العرف فكثيراً ما يكون الموضوع في مفاد كان الناقصة باقياً إلى زمان الشكّ فيجري الاستصحاب ، وأمّا إذا كان الميزان نظر العقل فلا يجري الاستصحاب فيه أصلًا ، لأنّ حصول الشكّ فرع حصول تغيير في الموضوع ، ومعه لا يكون الموضوع باقياً في الآن اللاحق عقلًا ، وإن كان الميزان هو الجمود على ظاهر الدليل الدالّ على ثبوت الحكم سابقاً فلا بدّ من الرجوع إليه . إذا عرفت هذا فنقول : لا ريب أنّ الميزان في بقاء الموضوع إنّما هو نظر العرف ، أي صدق النقض وعدم النقض عرفاً ، كما أنّه كذلك في جميع الموضوعات الواردة في لسان الأدلّة ، وذلك لأنّ المفاهيم الموجودة في أدلّة الأحكام نازلة على المتفاهم العرفي . وتوضيحه : أنّ القيود المأخوذة في الموضوع في لسان الأدلّة على قسمين : قيود تكون في نظر العرف من المقوّمات كميعان الماء ، فلا يجري استصحاب النجاسة إذا صار الماء بخاراً ، وهذا إذا صار الكلب الواقع في المملحة ملحاً ، أو صار الخشب النجس رماداً ودخاناً ، وذلك لعدم صدق النقص على رفع اليد عن الحكم السابق . وقيود تكون من الحالات كالتغيّر في الماء المتغيّر بالنجس ، فإنّ الموضوع للنجاسة مطلق الماء فيجري استصحاب النجاسة لصدق نقض اليقين بالشكّ على رفع اليد عن حكم النجاسة ، ولقد أجاد من نظّر هذا بما ثبت في الفقه في باب الخيارات بأنّه لو قال البائع : « بعتك هذا الفرس العربي » فبان كونه حماراً يكون البيع باطلًا ، لكون الصورة النوعية مقوّمة المبيع ، ولكن لو بان كونه فرساً غير عربي فالبيع صحيح مع خيار تخلّف الوصف ، لعدم كون الوصف مقوّماً للمبيع بنظر العرف ، وهكذا وصف الصحّة المبنيّ عليها العقد فإنّ تخلّفها لا يوجب الخيار .
--> ( 1 ) وقد أشار بذلك في مصباح الأصول : ج 3 ، ص 235 ، طبع مطبعة النجف .